الشريف الرضي
328
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
فأراد كذب العير أمله ، لان العير لا يجوز أن ينسب إليه الكذب الحقيقي الذي هو ضد الصدق ، المعنى أنه آمل أن ينجو من اقتناصي ، فكذبه أمله ، لأنه ظن أنه إذا مر بارحا [ 1 ] - وهو ان يأخذ من جهة الشمال إلى جهة اليمين - لم يتمكن الفارس من طعنه ، فلما قلب الرمح فطعنه جاز أن يقول : كذبه أمله فيما ظنه من النجاة . قال صاحب هذا القول : ( فان قيل كيف أكذبهم [ 2 ] الله في قولهم : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) ، وقد حلفوا على حق عندهم ! . قيل له : ليس قوله تعالى : ( كذبوا ) ههنا من الكذب الذي هو ضد الصدق ، وإنما هو من الايجاب والالزام ، فكأن معناه : انظر كيف ألزموا أنفسهم الكفر وأوجبوا عليها الشرك . وعلى هذا قول بعض العرب : ( كذب عليك الحج ) [ 3 ] يريد إلزم الحج . وكما شكى رجل إلى بعض الصحابة ألم رجله [ 4 ] فقال : ( كذب عليك العسل )
--> ( 1 ) الظاهر بقرينة التفسير الذي ذكره المؤلف ان البارح مأخوذ من البروج ومنه قولهم : برح الظبي . والبارح عند العرب : ما مر من اليمين إلى اليسار ، ويقابله السانح وهو ما مر من اليسار إلى اليمين . والعرب تتطير بالمبارح وتتيمن بالسانح وهذا يخالف ما ذكره المؤلف ، لكن ابن رشيق حكى في العمدة عن بعضهم : ان السانح عند أهل الحجاز ما أتى عن اليمين إلى اليسار والبارح عكسه . وهم يتيمنون بالبارح ويتشأمون بالسانح . وأهل نجد بالضد من ذلك . ( 2 ) وفي ( خ ) : كذبهم . ( 3 ) نسب في القاموس وشرحه هذه الكلمة إلى عمر وقال في الشرح : قيل : معناها وجب عليك . ( 4 ) قال في اللسان : عمرو بن معدي كرب اشتكى إلى عمر المعص فقال : كذب عليك العسل . يريد العسلان وهو مشي الذئب ، اي عليك بسرعة المشي . والمعص بالعين المهملة : التواء في عصب الرجل .